تُعد رواية «المرايا» (الصادرة عام 1972م) للأديب العالمي نجيب محفوظ واحدة من أرقى وأجرأ التحف البنائية في أدبه الرمزي والنفسي؛ حيث التزم فيها بنمط سردي غير تقليدي يتجاوز الحبكة البوليسية أو الدرامية المعتادة للتركيز الكامل على التشريح النفسي والفكري للشخصيات. تتكون الرواية من 55 لوحة قلمية لشخصيات متفرقة استلهمها محفوظ من نماذج واقعية عاصرها وشاهدها في حياته الوظيفية والعامة والسياسية بين عامي 1930 و1970م، وجرّدها من أسمائها الحقيقية ليرسم صورة كلية وشاملة للمجتمع المصري وطبقة المثقفين عقب حرب حزيران 1967م. وتتنوع هذه النماذج البشرية لتشمل: الأكاديمي والمفكر: كالمثقف اللامنتمي والمادي، والمفكر الصلب الذي يرفض المساومة على مبادئه. السياسي والثائر: كأعضاء حزب الوفد المنكسرين، وثوار حركة الضباط الأحرار. الانتهازي والجدلي: كالتاجر المتاجر بالخمور والربا الذي يحرص على إمامة صبيانه في الصلاة داخل المخزن، والسياسي المتسلق. التناول الفكري الشائك: من أبرز لوحاتها شخصية «عبد الوهاب إسماعيل» التي تتقاطع في تفاصيلها مع التحول الفكري والنقدي للمفكر سيد قطب. ويرسخ محفوظ عبر هذا المعرض البشري مفهوماً فلسفياً يرى أن النماذج الإنسانية والعيوب والتناقضات ليست مقصورة على زمن محدد، بل تُعيد إعادة إنتاج نفسها كلما تكررت ظروفها؛ لتظل الرواية بمثابة مرآة صافية تكشف المستور والعلني من أغوار النفس البشرية والمجتمع.